سؤال ديموغرافي ليبي

سبق نشرها على صحيفة السفير العربي – ومنصة المدونات الليبية

تعداد السكان فى ليبيا قبل ثورة شباط/ فبراير كان 6 ملايين نسمة. ولكن، كم نسبة الليبيين في هذا التعداد؟ كانت إحصاءات للسكان في المملكة الليبية قد جرت عامي 1954 و1964، ويعتبر تعداد 1973 في عهد النظام السابق قد واكبه حرق السجلات (“أرشيف المواليد والوفيات والإحصائيات السكانية”)، بفعل فاعل وسجلت القضية ضد مجهول كالعادة. بعد أحداث 1976 المخيفة (انتفاضة الطلاب الجامعيين في بنغازي وطرابلس، والقمع القاسي الذي أنزل عليهم بغرض السيطرة التامة على الجامعات من قبل السلطة) قرر الكثير من الليبيين ترك الوطن والهجرة بعيداً عن ظلم السجون واللّجان الثورية ومنصات الإعدام الجماعي في الحرم الجامعي، مما ترتب على ذلك حرمان أبنائهم من الحصول على الجنسية الليبية.
عملت السلطة السابقة على تحقيق خلطة عشوائية لتركيبة السكان، وهي واحدة من وسائل سيطرة تمارسها السلطات في أكثر من مكان وليس في ليبيا وحدها. مُنحت الجنسية الليبية لمهاجرين من أفريقيا كانت تربطهم بالقذافي علاقة وثيقة، ما أنتج جُل خليط الجنوب الليبي. ومُنح لهم حق استخراج كتيب عائلة وبطاقة هوية تؤهل الحصول على امتيازات. وكوّن بعض هؤلاء مافيات كبيرة لعبور الهجرة من أنحاء مختلفة من أفريقيا إلى أبواب البحر المتوسط.. وأوروبا، وهو ما استخدمه طويلا القذافي لابتزاز الدول الأوروبية. وتكونت مجموعات مسلحة بين قوافي الصحراء الليبية الشاسعة التي كانت بساطا وديعا للطوارق الرحل.
انخفضت نسبة إنجاب الأطفال (بين 2 و4 بدلاً من 6 و9 وحتى 13 فى بيت واحد) في السنوات الأخيرة نتيجة للحرب. وهذه، مع ضغوط الحياة المختلفة، وانعدام البنية التحتية التي تساعد على تقديم الخدمات المسهلة لحياة المواطن، وغلاء المعيشة مقابل نسب البطالة وأزمة السكن الحانقة، بما لا تليق بدولة نفطية، وطموح بعض الشباب للدراسة وسعيه للحصول على فرصة إيفاد خارج حدود الوطن، وارتفاع نسبة العنوسة بين صفوف الرجال والنساء على السواء، وتأجيل الزواج إلى سن ما بعد الثلاثين.. لا يوفر فرصاً كافية لإنجاب عدد أكبر من الأطفال.. هذا إلى جانب معاناة ليبيا من ارتفاع ملحوظ في وفيات الأطفال (!) نتيجة الإهمال في المستشفيات وغياب قطاع صحي فعال والتوعية الإنجابية للمرأة. وأهم نتائج التحول الديموغرافي هذا هو ارتفاع نسبة السكان في سن العمل (الخامسة عشرة حتى التاسعة والخمسين، وهو رقم التقاعد الضماني في قانون العمل الليبي) ونسبة المسنين، وانخفاض نسبة الأطفال (أقل من خمس عشرة سنة)، وفئة الشباب. وهذا يمكن استثماره مؤقتاً في تحسين إنتاجية العمل ووضع برامج تعنى بالتكافل بين الأجيال، كما يمكن الاستفادة منه في تدعيم برامج التأمينات الاجتماعية لأنّ عدد السكان الذين ينتمون إلى القوى العاملة في هذه المرحلة يفوق عدد السكان خارجها..
سعير الحرب خلال سنوات الأربع المنصرمة ذهب فيها الكثير من أبناء جيل كامل، ما بين مواليد الثمانينيات والتسعينيات، بالموت أو الهجرة. وتتفاوت النسب حسب كل منطقة وارتفاع الصراع المسلح فيها.. جيل كان يمكن أن تمتد إليهم الأيدي للعمار والبناء، بينما بتنا اليوم نرى على امتداد النظر المقابر وأعدادها المفجعة.
سيظل الشباب الليبي واقفا في طوابير الانتظار وتطلع الأطفال لغد أفضل في سبات لحين تكوين دستور وبناء دولة تهتم بحل هذه الديموغرافية الصعبة الغائبة عن أذهان المسؤولين وصناع القرار، فالمواطن في ليبيا منهك من جرعات الصراع التي انعكست على إطلاق العنان لتفكير واعٍ بخطورة الأحداث القادمة.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s