الساعة في ليبيا خارجة عن مسارها

3680_915219

نشرت على صحيفة السفير

متلاحقة الأوقات وبطيئة، فبالكاد يجد المواطن وقتا لشرب كوب “المكياطة” (نوع من القهوة المركز جدا والتي تسكب في الكوب بكميات قليلة، وهي على ما يبدو طريقة في تحضير القهوة من آثار الإيطاليين الذين استعمروا ليبيا، وأصل الكلمة mocha) إن وجد مقهى مفتوحا وقهوة الصباح إن وجدت أنبوبة الغاز، ليدخل في ازدحام الشوارع المنسية والخالية من الطرق الإسفلتية، حتى يأتي إليه الظهر منقضاً ليدرك ما يمكن تداركه في البحث في المصارف البنكية عن سلفة، أو سحب على رصيد “أحمر”، أو الوقوف في طابور المخابز والبنزين، أو في طوابير المستشفيات وانتظار الأدوية المنتهية الصلاحية والعيادات، لمعاينة هبوط وارتفاع الضغط أو تعاطي الجرعات الكيماوية.
سيدركك العصر وأنت تتململ وقوفا من تراكم السيارات بانتظار الإشارات الضوئية وعبور المطبات، وفي الوقت نفسه يعتريك الشعور بالاستياء من تجاوز تلك الإشارات وما أكثر من يتجاوزها وكأنها غير موجودة. حينها ستشعر حقا بأن المواطن محتاج لإعادة تربية قبل التعليم الموقوف حتى إشعار آخر في حرب عشواء عصفت بالمباني التعليمية.
ستجتمع مع العائلة على وجبة الغداء لتدرك أن الحديث برمته كان عن أحوال الحرب والسياسة المخجلة وتقصي آخر الأخبار عن الأرقام الخيالية للمبالغ المنهوبة وعن آخر مستجدات الحكومة المعترف بها والحكومة المسلوبة النائمة في غيبوبة وعن آخر محاولة للاغتيالات لأنها أصبحت البديل لسجون وهمية، فكل من يقول لا، ستنصب بعدها بأربع وعشرين ساعة (معطلة متأخرة!)، خيام التعزية ويرثى بقصائد شعرية عن أعماله البطولية وربما الوهمية. للحظة ستقوم من وجبة الغداء وأنت مصاب بعسر هضم شديد ستلاحقك فيه حموضة القنوات الفضائية لآخر النهار.
سيأخذك بعض من الفضول لتفتح صفحتك الفيسبوكية وتبدأ بتتبع آخر المستجدات في صفحات تبث الحقد والضغينة وتسعى للشتات، وتشاهد صوراً وصفات الأكل، وتتبع همسات العاشقين والهائمين على الدردشات، وعروض الفساتين والسيارات.. وكأنهم لم يدركوا أننا في وطن يعاني من تدمير بنيته الاجتماعية، وفي طريقه لاندثار النسل.. يعاني فيه العنوسة رجال ونساء من دون استثناء، فالكل ينتظر خاتم الخطوبة وقراءة سبع آيات من سورة الفاتحة ليقف في مكانه (فالساعة معطلة متأخرة وبطيئة)، حتى يستلم مفتاح شقة رسمها فى مخيلته الثلاثينية وحلمه بإقامة مشروع يكفل به دخلا يحفظ آدميته، بعد أن يخرج الدستور للنور وقبل أن يرزق بطفل ويحرج من ملء استمارة التعريف ماذا تعمل؟ ما وظيفتك في الحياة؟ سيخجل حينها لأن الساعة بطيئة ومعطلة، وهو لم يدرك ذلك إلا في آخر المطاف.
التعليم في ليبيا يتكئ على عكاز الجهل المائل، فمدارسها فتحت أبوابها للنازحين جراء حرب لم تُحسم، والخسارة البشرية تفوق الركام. فصول دراسية تحولت لمنامة ومقاعد تكومت فيها الأحذية المهملة، وسبورة انقلبت لتوقيع الذكريات، وقاعات للمحاضرات الجامعية أكلتها ألسنة النيران وما عاد للتعليم طعم وشهوة.
تعشش الحشرات في لحى المتطرفين من كل الملل الذين غزوا ليبيا. دخلوها تباعا تحت ستار الدين، استبدلوا الألوان المبهجة بالسواد الأعظم، وغيروا سير الطرق وسدوا منافذ القوت وأشعلوا النار في الحصيد، وعاثوا قتلا وقطعا للرؤوس تحت لافتة الحد المستعار.
ويبدأ الليل يرخي أسداله لتصبح الشوارع خالية من ساكنيها، لا يسمع فيها إلا طلقات رصاص وقذائف، وبعدد أكوام القمامة المكتظة في كل شارع، فثمة من يجوب فيها هاويا للسرقة والقتل، متعاطياً للمخدرات، “فالليل والليل كثر خيره لقيته حنون وخير لي من غيره” (أغنية موروث ليبي).
تتيقن وأنت في طريقك لترمي رأسك على وسادتك بأن الساعة في ليبيا معطلة متأخرة بطيئة، حينها ستغمض عينيك بقوة وألم حتى لا ترى عقاربها البشعة الموحشة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s