عٌام هّجَرى وطّقَوْس جَدتى

e838f94e4a72053c03f6873e944136a1

الطّقَوس هى روح المٌكَان ،تغُيب الوجُوه ولكنَها تّعَبقُ برائَحتَهم نَعتٌادها ، نُزوالَها بحب ، وبعضٍ من الآخرين، يسقطونها ،ولا تسَتهّويهم حين تستحضرها أجندة التواريخ .

العام الهجرى فى الذاكرة الليبية ،له طقوس يبدأ بشهر يسمى (محرم )  ، بداية يتفأل بها  جميع المسلمين ، يلقون السَلام والتحايا والمبُجلات ، جدتى رحمها الله سّيدة بنغٌازية جمَيلة حكَيمة، نفَحة الطُقوس الليّبَية ،عامَرة فى بيت جّدى الدافئ بابه مفتوح للجميع ،نُطلق عليه (جّنان السُكر) بمعنى حديقة السكر ، أحلى الأيام وكثيرٍ من الذكريات ،كانت فى ليلة العام الهجرى تّرشُ زوايَا البيَت بجيرٍ أبيض وقليل من السكر، تيمناً بالبياض ،صباحٍ تضع على مائدة الأفطار البيض الأبيض المسلوق، تحثنا على تناوله حالما نستيقظ، ثم تطبخ وجبة الغذاء المعروفة فى ليبيا (الفتّاشه) وهى عبارة عن كسكسو (كسكسي ) مطبوخ على القديد، هو عبارة عن لحم العيد المجفف ،من منطقة (الضلوع فى جسم الخروف) تشّلح بالملح ويتم وضعها فى الشمس حتى تجف.

حكاية الفتّاشة …

ليلة الفّتاشة يُنقع القَديد فى الماء، حتى تخف كمية الملح منه ثم يطبخ عليه الكسكي الليبي ، هو لايختلف فى مراحل طبخه عن الكسكسى التونسي والمغربي ،ولكن المطبخ الليبي يستعمل فيه البهارات الحارة بكثرة .

الفتاشة كسكي خضرة بالقديد ،كل أنواع الخضار الموجودة ،توضع فوقه البطاطا البكيوه (القرع العسلي) السفنارى(الجزر) الكوسا قرون الفلفل الاخضر اللفت وحبوب الحمص المنقوع وقليل من الكسبر والمعدنوس ، وكثير من التوابل الحارة الفواحة ، وجبة شهية لذيذة تجتمع عليها افراد العائلة علي طبق كبير مصنوع من الخشب ،مرافقا له (المصير ) الفاتح للشهية ،وهو نوع من المقبلات معمول بفلفل أخضر حار وقطع من الخيار وليمون وثوم وكروية وكسبر أخضر ، الفتّاشة تطبخ مرة واحدة فى العام ، كانت جدتى تقول تناولوها بتلذذ ، املاء بطنك بها  ،فثمة من يأتيكم ليلٍ أذا وجُد بطونكم فارغة سيّضع الحيط الثقيل ، كلنا نتسابق على تناولها ،وقبلها نكون قد أرسلنا لبيوت الجيران حصتهم ، لتّذوقَها وهم كذلك يفعلون .

كانت بيوت الجّدود نتعَلم فيها الدين الوسطى بلا مواعَظ ممُلة وخُطب عقيمة ،  تحثّنا جدتى بود فى العام الهجرى، افتحوا خزانة الملابس ، من لم يرتدى أى قطعة من ملبوسات وأحذية ولم يستعملها طوال العام ،ضعوها فى أكياس نظيفة وأخرجوها صدقة للمحتاجين ،دون ان يمّن أحدكم بما قدمه، دروس افتقدنها وسط التطرف الفكرى والتشدد الدينى والتعصب ، الذى خلف معتقدات غريبة، اثرت سلبا على سلوك الكثيرين، نفّرت الأقاَرب والجيَران وقطّعِت كثْير من حٌبال الموُدة بيَنهم.

 أول العام الهجرى تُقام الطقوس رغمٍ عن  الأمنيات بعام سلام وأمان كتلك الحرب ، عتبة منثورة  بالبياض والسكر.

21/9/2017 – 1 محرم 1438

 

Advertisements

يوم الشهيد وأشرعة الحرب المكسورة

ماهر العوامى

أحلام البدري – ليبيا

المنظومة الاربعينية التى عاشتها ليبيا تحت يد شفرة الدكتاتور فقدت فيها الكثير من ثرواتها البشرية والمادية واختفت فيها بنية الانسان الطيب المتسامح المشبعة برائحة البحر والملح ورمال الصحراء وسدر الجبال وسط تغلل الارهاب وسطوة السلاح وسعير الحرب .

قبل هذيك الاربعينية لم يكن فى أجندة الاحتفالات الليبية بالأعياد والمناسبات الوطنية الا الاحتفال بذكرى استشهاد الشيخ عمر المختار وهو شخصية وطنية ارتبط اسمه بملاحم الجهاد ضد الغزو الايطالي لليبيا – فى العام 2011 بداءت منظومة الشهداء تزداد وأعداد مترامية على امتداد المساحة الليبية الخالية من العمار والبنية التحتية عدا قبور الشهداء تشكلت اول حكومة تحت مظلتها جلس كل الليبين ولم يخرج اى منهم خارج سرب الوطنية لتعلن عن انشاء وزارة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين تكريما للشهيد ورعاية لأسرته و ابناءه الايتام .

حكاية وزارة لا تختلف عنها الهيئة …

وزارة مستحدثة عُرفت فيها القرارات على الورق سُيلت فى ميزانيتها الملايين فكانت هباء منثورا مابين الأثاث المكتبي وسيارات سُلمت للمسئولين ومن تم اعادوا بيعها وسرقتها وصفقات لتأمين طبي طالب به اهالى الشهداء لحاجتهم لمن يساعدهم للعلاج وتكاليفه المرتفعة فكانت البطاقة الطبية مدخلا سيل لُعاب اللصوص لنهب المزيد من ثروة هذه الوزارة تعاقب على رئيستها عدة وزراء كلا منهم كان بطاقم وحاشية خاصة به ، ملايين اهُدرت كأنها فى مكب النفايات بعد هذا الانقسام والشتات الذى يحدث لليبيا بعد الحرب مابين حكومتين شرعية ضعيفة وحكومة وفاق بسطوة السلاح اتضحت أكثر ملامح التخاذل وظهر النهب فى اعتى صوره – ليكتشف كل من يتعامل مع الوزارة ان الفساد كان يتغلغل فيها منذ البداية فالأعمال التى من المفترض ان تقدم كانت على الورق ، وزارة لايوجد بها عائد استثمارى ومكاتب مشتتة مابين الحكومتين ولا معامل لتحاليل العينات تليق بحفظ عينات بشرية ، طالبت الكثير من منظمات المجتمع المدنى واهالى المفقودين الى الالتفات الى المقابر المترامية فى المناطق التى كان يشتعل فيها الحرب وبقايا مخلفاته فكانت كل الاذان صماء لجلب خبراء يقومون على تدريب كوادر ليبية – فليبيا ليست لديها خبرة فى العناية بالمقابر وطرق فتحها وحفظ العينات تشبه خبرة البوسنه وكرواتيا والمانيا وكوريا ولبنان.

بعد حرب عملية الكرامة بدأت خطة الانقسام فشكلت هيئة لرعاية أسر الشهداء والمفقودين تتبع البرلمان لم تختلف فى طريقة تعاملها عن تلك الوزارة نفس خطوات السرقة والنهب واللامبالاة والعودة بكل شئ لنقطة الصفر لم تهتم بوضع خطة بعيدة المدى تخدم ابناء الشهيد فجُلهم تركوا أطفال مازال المشوار أمامهم طويلا  ومنهم من لم يعرف والده إلا من الصور على جدران بيوتهم خرجوا للحرب وتركوا زوجات وأطفال ولدوا بعدهم فالنساء هن أكثر من يتحملن ويلات الحرب وتبعاتها الشرسة والكرة اليوم فى ملعب القيادة العامة للقوات المسلحة بعد أن تبنت التبعية الادارية للهيئة فى انتظار فيما تقدم.

وتمر ذكرى الشهيد كل عام فى ليبيا ممزوجة بألم أكثر من السنوات التى مضت انقسام مابين حكومتين كلا منها يعطى السماح لنفسه بتوثيق شهداءه ، فبعد ان كانت منظومة الشهداء لاتحمل فى ذاكرتها الا شهداء فبراير ومجزرة بوسليم ومجزرة اليرموك وشهداء مقبرة بن جواد وأم القنديل اليوم لن يستطيع احد منعهم من اضافة ممن وافتهم المنية يوم حادثة غرغور الشهيرة فى طرابلس بقيادة المليشيات المسلحة ولن يستطيع احدهم ان يمنع اضافة ممن سقطوا يوم حريق مطار طرابلس هو وطائرته من اضافتهم الى منظومة الشهداء وأنصار الشريعة وغيرهم ، والحرب فى مدينة بنغازى التى سقط فيها الكثير من الشهداء فى المحاور الملتهبة الكثيرين فى المقابل على الطرف الاخر يسقط  من الالغام التى زرعت داخل منطقة الصابري وسوق الحوت ومنطقة الليثى والقوارشة وجوانب الطرقات التى كانت محل اقامة الإرهابيين داخل بنغازى.

الحقائق مؤلمة على ارض الواقع فكيف تحي ذكرى شهيد فى وطن عاث فيه الفساد وبيع الذمم ونصبت خيام التعنت والعناد على أعمدة الكراهية بين الشرق والغرب وزُيفت فيه حقائق لحقبة متعثرة من تاريخ ليبيا ، ليتنا نعُيد فى ذاكرتنا ذكرى الشهيد عمر المختار ونُسكت صوت الانقسام وهو يحصد منا الرجال ويجتث منا الوطن ونحن غافلون .

 

الصورة للمصور ماهر العوامي